أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
24
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الحرمين « 1 » وعاصم وغيرهم على ذلك » قلت : ومثل إجماعهم على قوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا إجماعهم على قوله : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا « 2 » قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ « 3 » . وقال الفراء : « من قرأ بالتاء جعل اليهود والمشركين داخلين في الخطاب ، ثم يجوز في هذا المعنى الياء والتاء ، كما تقول في الكلام : « قل لعبد اللّه : إنه قائم وإنك قائم » ، وفي حرف عبد اللّه : « قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفرلهم ما قد سلف » ، ومن قرأ بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبة اليهود ، وأن الغلبة تقع على المشركين ، كأنه قيل : قل يا محمد لليهود سيغلب المشركون ويحشرون ، فليس يجوز في هذا المعنى إلا الياء لأنّ المشركين غيب . قوله : وَبِئْسَ الْمِهادُ المخصوص بالذمّ محذوف أي : بئس المهاد جهنم . والحذف للمخصوص يدلّ على صحة مذهب سيبويه « 4 » من أنه مبتدأ والجملة قبله خبره ، ولو كان كما قال غيره مبتدأ محذوف الخبر أو بالعكس لما حذف ثانيا للإجحاف بحذف سائر الجملة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 13 ] قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 ) قوله تعالى : قَدْ كانَ : جواب قسم محذوف ، و « آيَةٌ » اسم كان ، ولم يؤنّث الفعل لأنّ تأنيث الآية مجازيّ ، وأنها بمعنى الدليل والبرهان ، ولوجود الفصل ب « لَكُمْ » ، فإنّ الفصل مسوّغ لذلك مع كون التأنيث حقيقيا كقوله : 1191 - إنّ امرأ غرّه منكنّ واحدة * بعدي وبعدك في الدّنيا لمغرور « 5 » وفي خبر « كانَ » وجهان : أحدهما : أنه « لَكُمْ » و « فِي فِئَتَيْنِ » في محل رفع نعتا لآية . والثاني : أنه « فِي فِئَتَيْنِ » . وفي « لَكُمْ » حينئذ وجهان : أحدهما : أنه متعلّق بمحذوف على أنه حال من « آيَةٌ » لأنه في الأصل صفة لآية ، فلما قدّم نصب حالا . والثاني : أنه متعلّق بكان ، ذكره أبو البقاء ، وهذا عند من يرى أنها تعمل في الظرف وحرف الجر ، ولكن في جعل « فِي فِئَتَيْنِ » الخبر إشكال ، وهو أن حكم اسم « كانَ » حكم المبتدأ فلا يجوز أن يكون اسما لها إلّا ما جاز الابتداء به ، وهنا لو جعلت « آيَةٌ » مبتدأ وما بعدها خبرا لم يجز ، إذ لا مسوّغ للابتداء بهذه النكرة ، بخلاف ما إذا جعلت « لَكُمْ » الخبر فإنه جائز لوجود المسوّغ وهو تقدّم الخبر حرف جر . قوله : الْتَقَتا في محلّ جر صفة لفئتين أي : فئتين ملتقيتين .
--> ( 1 ) هما ابن كثير قارىء الحرم المكي ، ونافع قارىء الحرم المدني . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 30 ) . ( 3 ) سورة الجاثية ، آية ( 14 ) . ( 4 ) انظر الكتاب 1 / 300 . ( 5 ) لم نهتد لقائله ، انظر الخصائص 2 / 414 ، ابن يعيش 5 / 53 ، الانصاف 174 ، الدرر 2 / 225 ، الشذور ( 223 ) ، الأشموني رقم ( 365 ) . الشاهد قوله : « غره منكن واحدة » حيث أسند الفعل إلى اسم ظاهر حقيقي التأنيث ولم يؤنث هذا الفعل ، لوجود الفاصل بين الفعل وفاعله بقوله : « منكن » وذكر علامة التأنيث في مثل هذه الحال أرجح من حذفها .